القرطبي
437
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فرسخ في مثله ، وكذلك كان عسكرهم ، فجعل عليهم مثل الظلة ، وأتوا ببحر من خلفهم ، ونار من قبل وجوههم ، وقيل لهم : خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها ، وإلا سقط عليكم الجبل . فسجدوا توبة لله وأخذوا التوراة بالميثاق . قال الطبري عن بعض العلماء : لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق . وكان سجودهم على شق ، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا ، فلما رحمهم الله قالوا : لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها عباده ، فأمروا سجودهم على شق واحد . قال ابن عطية : والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الايمان [ في قلوبهم ] ( 1 ) لا أنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك . قوله تعالى : ( خذوا ) أي فقلنا خذوا ، فحذف . ( ما آتيناكم ) أعطيناكم . ( بقوة ) أي بجد واجتهاد ، قاله ابن عباس وقتادة والسدي . وقيل : بنية وإخلاص . مجاهد : القوة العمل بما فيه . وقيل : بقوة ، بكثرة درس . ( واذكروا ما فيه ) أي تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده ، ولا تنسوه ولا تضيعوه . قلت : هذا هو المقصود من الكتب ، العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها ، فإن ذلك نبذ لها ، على ما قاله الشعبي وابن عيينة ، وسيأتي قولهما عند قوله تعالى : " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب " ( 2 ) [ البقرة : 101 ] . وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوي إلى شئ منه ) . فبين صلى الله عليه وسلم أن المقصود العمل كما بينا . وقال مالك : قد يقرأ القرآن من لا خير فيه . فما لزم إذا من قبلنا وأخذ عليهم لازم لنا وواجب علينا . قال الله تعالى : " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم " ( 3 ) [ الزمر : 55 ] فأمرنا باتباع كتابه والعمل بمقضاه ، لكن تركنا ذلك ، كما تركت اليهود والنصارى ، وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئا ، لغلبة الجهل وطلب الرياسة وأتباع الأهواء . روى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال : ( هذا أوان
--> ( 1 ) زيادة عن تفسير ابن عطية . ( 2 ) راجع ج 2 ص 41 ( 3 ) راجع ج 15 ص 270